حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
13
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
« الحي القيوم » . ويؤكده ما روينا من قصة بدر ولو كان ذكر أشرف منه لذكره وقتئذ في السجود . وأما الدليل العقلي فإن « الحي » قيل هو الذي يصلح أن يعلم ويقدر ، أو هو الدراك الفعال ، فأورد عليه أن هذا لا يقتضي المدح لمشاركة أخس الحيوانات إياه في ذلك . ونحن نقول إن « الحي » في اللغة ليس عبارة عمن يوجد فيه هذه الصفة من هذه الحيثية فقط ، بل كل شيء ، يكون كاملا في جنسه فإنه يسمّى حيّا . ومن هاهنا يصحّ أن يقال : أحيا الموات ، وأحيا اللّه الأرض . فإن كمال حال الأرض أن تكون معمورة ، وكمال حال الأشجار أن تكون مورقة نضيرة . ولما كان كمال حال الجسم أن يكون بحيث يصح أن يعلم ويقدر ، فلا جرم سميت تلك الصفة حياة . فالمفهوم من « الحي » هو الكامل في جنسه ، والكامل في الوجود هو الذي يجب وجوده بذاته ، فلا حيّ بالحقيقة إلّا واجب الوجود لذاته . وأما « القيوم » فيطلق لمجموع اعتبارين : أحدهما ، أنه لا يفتقر في قوامه إلى غيره . والثاني أنّ غيره يفتقر في قوامه إليه . وبهذا الثاني يزيد على مفهوم « الحي » . ومن هذين الأصلين يتشعّب جميع مسائل التوحيد والمعرفة فمنها أن واجب الوجود واحد في ذاته وبجميع جهات الوحدة ، إذ لو فرض فيه تركّب بوجه من الوجوه افتقر في تحققه إلى وجود ذينك الجزأين فيقدح في كونه قيوما ؛ ومنها أنه لا شريك له وإلا اشتركا في الوجوب وتباينا بالتعيّن فيكون كلّ منهما مركّبا من جزءين فلا يكون قيوما ولا حيّا ، فإن كلّ مركّب مفتقر وكل مفتقر ممكن ؛ ومنها أن لا يكون متحيّزا لأن كلّ متحيز منقسم ، وقد ثبت أنه واحد ، ومنها أنه ليس في جهة يشار إليها ، وإلا كان متحيزا ؛ ومنها أنه ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض ولا يصح عليه الحركة والسكون والانتقال والحالية والمحلية وغير ذلك ؛ ومنها أنه عالم بجميع المعلومات فإنه لا معنى للعلم إلا حضور حقيقة المعلوم للعالم ، وإذا كان حيّا قيوما كانت حقيقته حاضرة عند ذاته وذاته مقوم لغيره ، والعلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول فيكون عالما بما سواه . ومنها أنه قادر على كل المقدورات ، وإلا لم يكن قيوما بمعنى كونه مقوما لغيره ويعلم منه استناد كل الممكنات إليه بواسطة أو غير واسطة ، ويلزم منه القول بالقضاء والقدر . « والحي » أصله حيي كحذر وطمع ، فأدغمت الياء في الياء عند اجتماعهما ، وكلا الياءين أصل ، وقال ابن الأنباري : أصله « حيو » بدليل الحيوان ، فلما اجتمعت الواو والياء ثم كان السابق ساكنا ، جعلتا ياء مشددة ، وزيف بكونه عديم النظير فإنه لم يوجد ما عينه ياء ولامه واو . « والقيوم » مبالغة قائم ، وأصله « قيووم » على « فيعول » ، فجعلت الياء الساكنة والواو الأولى ياء مشددة . ولو كان « قوّوما » على « فعول » لقيل « قووم » وعن عمر أنه قرأ « الحي القيام » . وقرئ « القيم » ثم لما بين أنه « حي قيوم » أكد ذلك بقوله لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ ولهذا فقد العاطف بينهما وكذا فيما يعقبهما والسنة ما يتقدم النوم من الفتور الذي يسمّى النعاس ، أي : لا